مسرح العرائس

WhatsApp Image 2026 04 10 at 11.53.25 AMبقلم الدكتورة/ مها حسن محمد
WhatsApp Image 2026 04 10 at 11.53.26 AMيجلس وحيدًا في ورشته المتواضعة، أمام طاولة مزدحمة، تدافعت على سطحها منحوتات خشبية صغيرة، تختال بألوانها الزاهية وطلائها اللامع تحت ضوء مصباحٍ أصفرٍ عتيق، يتدلى من سقف الغرفة المتهالك.
بيدين تجعد جلدهما ذات أصابع نحيلة تصلبت مفاصلها ولكن لم تفقد مهارتها، يمسك قطعةً من الخشب مربعة الشكل، يداعبها بأنامله الخبيرة ويلامسها بإزميله في مواضع بعينها لتتخذ استدارة ونعومة.
يسارع بعدها ويعالجها بوجهٍ مهتم وعينين متفحصتين فيفصلها بسكينه الحامية حتى تتشكل لها ساقان نحيلتان.
التقط في خفةٍ ورقة صنفرة ناعمة، مسح بها تمثاله ليتجسد بهيئة فتاةٍ أثارت الرياح ثوبها فانكشفت ركبتاها الدقيقتان. ابتسم النحات العجوز بخبث وأضاف بعض الخجل على ملامحها، فأشاحت بوجهها وانخفضت نظراتها.
أنهى طلاء ثوبها ووضع مساحيق التجميل ثم تركها لتجف بجانب تمثال لشاب أنيق يرتدي قبعة وملابس رياضية يحاول الإمساك بكلبه الشارد.
يفلت الكلب من عقاله ويركض نحو كرة تدحرجت من يد طفل صغير لم يجف طلاء ملابسه بعد. يقفز الكلب في بقعة صبغٍ أزرق تساقطت من ملابس الصغير على سطح الطاولة، لتتناثر قطراته على ثوب الفتاة الخَجلى، تجزع الفتاة وتتبدل ملامحها، وتلملم في دأبٍ يائس ثوبها المتطاير، تتطلع نحو الشاب صاحب الكلب وتبدي انزعاجها، فيسارع بخلع قبعته وينحني لها اعتذارًا، تشيح بوجهها فيقترب منها على استحياء لاسترضائها، حتى تنظر له بطرف عينها مخفيةً إعجابها بأناقته ووسامته وتبتسم بزاوية فمها في غنج. لم تلبث بضع ثوانٍ حتى حضر الكلب متقافزًا حولهما وفي فمه كرة الطفل الصغير، الذي أخذ بدوره يركض وراءه مثيرًا جلبة وفوضى أطاحت بسُكّان الطاولة أرضًا.
تعالت ضحكات النحات وهو يراقبهم في سرور، وارتفع خيط مربوط بيده اليمنى ليطفئ مصباح الغرفة فوقه، لينجذب خيطان آخران متصلان بقدميه فتتحركان ببطء خطوة تلو الأخرى في تؤدةٍ تناسب تآكل جسده العتيق، حتى يصل لباب حانوته ويغلقه خلف ألعابه ويخرج، لتتلقفه يد كبيرة وتضعه في صندوق مبطن، وترتب خيوطه المتشابكة بعناية، وفي اليد الأخرى نموذجٌ لدكان خشبي انطفأ مصباحه وغطَ سكانه في نوم عميق. تلفَت صاحب اليدين الكبيرتين في قلق، يحاول إخفاء بقايا خيوط مقطوعة تتدلى من طرف حذائه، راكضًا نحو منزله قبل أن تدركه عِصِيُّ محركه
.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *