في يومنا هذا، غدت الحوادث مشاهد تُعايش ببرود، وغدت القلوب متبلدة لا تهتزُّ لعويلٍ ولا تُذرف لمصيبةٍ دمعة، وكأنها ألفت المآسي واعتادت مشاهد الألم، بل واستباحت التطلّع إليها بشغف مقيت.
نعيش في زمنٍ تغلب عليه سِمة “الفُرجة السلبية” حيث الامتناع عن التصرف والتدخل لفض الاشتباكات، والرفض الصامت قليل الحيلة.
أضحت المصيبة تمر أمامنا كفيديو يظهر لنا على شاشة الهاتف، نشاهد في صمت، ثم نمرر الشاشة لأعلى ونتمتم هل من مزيد؟
والأدهى من ذلك؛ انطفاء الشعور بفداحة هذا التبلد! إلى متى سنترك إنسانيتنا تتآكل؟
كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: “إن أول بلاء نزل في هذه الأمة بعد وفاة نبيها – محمد صلى الله عليه وسلم – الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم.. إمتلأت أبدانهم، فلما امتلأت أبدانهم.. تصلبت قلوبهم.. وجمحت شهواتهم.
يتردد هذا القول في ذهني كلما وقعت عيناي على تلك الصفحات، التي لا همَّ لها إلا التسويق للطعام والمطاعم، في حالة أشبه بالهوس الجماعي، استعراض فجّ لكميات هائلة من الطعام تُلتهم بغير وعي، وضمن موجات محتوى فارغ لا قيمة له.
أما هؤلاء الذين يتصدرون المشهد، فبأجسادهم الثقيلة وشهيتهم التي لا تعرف حدودًا، يلتهمون الأخضر واليابس وكأنهم يفاخرون بذلك، وتجد خلفهم جحافل من المتابعين الذين يصفقون لهم بحرارة.
يأكلون بغير جوع ولا تشبعهم وفرة، يلتهمون الطبق تلو الآخر، ويضعون الميكروفونات لتُسمعنا تفاصيل مضغهم لتذهب أدبيات الطعام التي تعلمناها في الصغر أدراج الرياح.
وكأن الأمر صار ساحةً للهروب من ثقل الواقع، وتخدير مؤقت للهموم المتراكمة.
فهل “جعلوا” الطعام عزاءً زائفًا نهرب به من واقعنا إلى أن تصلبت المشاعر؟
أم أننا نسينا أن التمادي في اللذائذ كما علمنا التاريخ هو بداية “الانهيار” ؟

بقلم الكاتبة/ إنجي شلتوت