غرزه جديدة من ضوءٍ قديم في ثوب الحكاية رسالة من ضفةٍ أخرى إلى فستان أمين

WhatsApp Image 2026 04 23 at 12.40.58 PMبقلم الدكتورة/ بلسم القارح-السودانWhatsApp Image 2026 04 23 at 12.42.08 PM

نصٌّ حواريٌّ مع مقال «فستان أمينة» للكاتبة ريم أبو عيد

تيتة الحبيبة
كنتُ هناك…في المسافة الخفية بين الغيب والولادة، أراكِ من بعيد تنحنين فوق خيوط الكروشيه،ُتدخلين في كل غرزه سرًا صغيرًا من أسرار قلبكِ.كنتُ أشعر بأصابعكِ وهي تربط الخيط، وأشعر أكثر بقلبكِ وهو يربطني بالحياة. كلما طال الفستان خطوة،
اقتربتُ أنا خطوة من الأرض.وكلما همستِ بأمنية، كبر في صدري جناح.
تيتة…
أنا لم آتِ وحدي.جئتُ محمولةً بدعواتكِ القديمة،وبحكاياتٍ ما زالت تسكن الهواء،وبضحكتكِ التي تنتظر أن تُنادى: تيتة.حين أصل،اقرئي لي كليلة ودمنة،
وقلّدي أصوات الحيوانات كما كان يفعل أبيكِ، لكن اتركي لي مساحةً صغيرة
لأضيف إلى أصواتكِ ضحكتي…فأنا أيضًا أحمل خيالي إليكِ. تيتة…
حين أنظر إليكِ من مكاني البعيد لا أراكِ وحدكِ. أراكِ محاطةً بتيتاتٍ كثيرات، من بلادٍ عربيةٍ تتشابك كأصابع الدعاء، يأتينكِ بالمحبة كما تأتي الريح برائحة المطر كل واحدةٍ تحمل حكاية، تسكنها طرف عباءتكِ كنجمةٍ صغيرة.ورأيتُ التِّيتة السودانية السمراء، وجهها بلون الطمي حين يحتضنه نهر النيل، تمدّ لكِ وردةً تفوح بماءٍ وذاكرة ، تفكر نيلًا… وتقطر محبة
قالت لي: قولي لجدتك إن النهر لا يجري ماءً فقط، بل يحمل أثر النساء اللواتي حفظن النور ومررن به من جيلٍ إلى جيل.”فعرفتُ أن النور ليس وعدًا بعيدًا، بل إرثًا تمشي به الجدّات فوق جسر الزمن.
وفي ليلتي الأولى قبل أن أهبط إليكِ،رأيتُ الهلال معلقًا فوق صفحة الماء،ورأيتُ النهر يرفعه في حضنه كأمٍّ ترفع طفلها نحو السماء.كنتِ جالسةً عند طرف الضوء، تحرّكين ساقيك في الهواء كما في طفولتكِ، وخيطٌ من فضةٍ يمتد من الماء إلى يديكِ.كلما شددتِ غرزه، لم يكن الثوب وحده يكتمل،بل كان الضوء يقترب من الحياة،وكان الماء يلمع
كأنه يتذكّر عهدًا قديمًا بين السماء والأرض.
اقتربتُ
ورأيتُ وجهي الصغير ينعكس في صفحة نهر، والهلال يبتسم لنا معًا.فهمتُ عندها: أنكِ لا تغزلين ثوبًا، بل تصلين ما يضيء… بما يمنح الحياة.
وحين آتي، سنمشي معًا على ضفة الماء، وسأقول لكِ: انظري…الهلال لا يسقط في النهر،هو فقط يتعلّم كيف يسبح.سنضحك،ويكبر الضوء بيننا، حاملًا حكايتنا إلى صباحاتٍ لا تنتهي ويمضي النيل في جريانه، … شوقا لملاقاة بردى، كأن الأنهار تتعارف كما تتعارف القلوب،وهناك — على ضفةٍ أخرى من الذاكرة —ينشد صوته القديم:
«قم ناجِ جَلَقَ وانشد رسمَ من بانوا مشت على الدهر أحداثٌ وأزمانُ»
فيصير الماء قصيدة، وتصير القصيدة جسرًا،وتفهم الأنهار أن ما يجري فيها
زمنٌ يمشي… وحبٌّ يعبر البلاد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *