طفولة جيل

WhatsApp Image 2026 04 24 at 12.09.14 AM

بقلم الدكتورة / مها حسن محمد

WhatsApp Image 2026 04 13 at 11.10.00 PM

لم يكن لأطفال الثمانينات والتسعينات منافذ عديدة لتمضية أوقات الفراغ، خاصة في إحدى دول الخليج المنغلقة وقتها، فالنوادي الرياضية مقتصرة على الفتيان، ومراكز تعليم الفنون كانت ضربًا من الخيال، والحدائق العامة يلمع سرابها تحت قيظ النهار، أما الإجازة السنوية من عمل الآباء فهي شهر واحد، نقضيه في مواكبة الأحداث ومحاولة فهم مافاتنا في العائلة والمجتمع. أقرباء جدد يولدون ويجب التعرف عليهم، أهل نركض خلف الأيام في محاولة الوفاء بحقوقهم وزيارتهم، أحباء نحاول أن تشبع عيوننا وقلوبنا من رؤيتهم قبل الفراق، كل ذلك في ثلاثين يوم فقط، بعدها نعود أدراجنا بين جدران المنازل.
حتى التلفاز لم يمن علينا سوى بقناتين تعملان بمواعيد رسمية، اعتبرناهما دفَتي نافذتنا على العالم، وكان لنا في برامج الأطفال الكرتونية حياة، لم نكن حينها نعرف شيئُا عن أفلام (ديزني) أو نميز بينها وبين غيرها، المهم نشاهد (الكرتون)، فكان القلب يخفق عند سماع زئير أسد جولدن ماير والموسيقى المبهجة المصاحبة له، يعقبها عالم مليء بالحيوانات والأزهار الملونة والصور الخلابة، نسرح فيها بخيالنا ونصادقها، فارِين من بيئة يندر فيها الأصدقاء.
أذكر إذا لم تخنَي الذاكرة، ذلك الأرنب الصغير المصاب بضعف البصر، والذي دائمًا ما يتأخر عن أصدقائه لعلة نظره وشغفه بمشاهدة ومتابعة كل ما حول جحره بقدر ما تتيحه له عيناه. حاله في انبهار متواصل، يسعد برؤية الأشجار الباسقة والحدائق الغناء في طريقه للحقل مع أقرانه لجمع الجزرات الحلوة، وكان أكثر ما يثلج صدره ويسعد قلبه، هو مشاهدته لذلك القصر في الجهة الأخرى من التل أمام منزله. بناء عظيم ملون، ذو قباب مزخرفة وأبراج عالية منيفة بنوافذ متلألئة، تلمع تحت أشعة الشمس، تحيط به الزهور والفراشات.
ظل أرنبنا الصغير يطالع القصر كل يوم في انبهار وسعادة ويحلم بالسكن فيه أو حتى زيارته. وفي يوم قرر أن يتمشى حوله ويقترب منه، لعل مالكه يسمح له بالزيارة، ولكنه صادف في طريقه بائعًا متجولًا أخذ يعرض عليه بضاعته. طلب أرنوب من البائع هدية تليق بصاحب القصر ليأذن له بالدخول وتلين قبله ليهبه المكوث، وربما يصادقه ويتردد عليه، فينعم بالبقاء في القصر قدر ما يشاء.
نظر له البائع في اندهاش، وأخذ ينقل بصره بين القصر المزعوم وبين الأرنب الصغير ويفرك عينيه مرة تلو الأخرى، رأى أرنوب اضطراب البائع، ولسان حاله يقول: لابد أن جمال القصر وبهائه قد أبهره وسلب لبه مثلي،
وخاف أن يقتنص البائع فرصته في الزيارة، فسأله بنبرة حادة: أرجو أن تعطيني الهدية، فليس لدي وقت.
أجابه البائع بعد أن أدرك علة الصغير: سأعطيك هدية لك أنت بدون مقابل، وأرجو أن تستعملها الآن.
أخرج البائع من صندوق بضاعته نظارات طبية كبيرة مستديرة وأعطاها لأرنوب، لتحتضن رأسه الصغير وتفترش عينيه.
أخذ أرنوب يفتح عينيه بشده ويفركهما حتى يعتاد عليهما، ثم بحلق بملء عويناته الأربعة، مذهولًا مشدوهًا مما أمامه، فلم يكن أمام ناظريه سوى جبل عظيم من القمامة.
غادر البائع آسفًا، وترك في نفس الصغير استغراب عميق وحزن أعمق. تأمل أرنوب كومة الزبل أمامه واقترب منها وجعل يتحسس الإطارات المثقوبة والصفائح الصدئة والأوراق المحترقة، متحسرًا على أحلامه وأمنياته الضائعة.
عاد لمنزله مطأطئ الرأس يجرجر ساقيه المهزومتين، ودخل لغرفته في صمت. فتح شباك غرفته المطل على كومة القمامة وخلع نظارته، وجلس يشاهد قصر أحلامه بابتسامة مكسورة، ودمعة حائرة تحاول الهروب من طرف جفنه.

ظل ذلك المشهد محفورًا في وجداني تاركًا بداخلي العديد من المشاعر والأفكار المتضاربة. أشفقت على حلم الأرنب المفقود، وآمنت بنعيم الجهل وجحيم المعرفة ولكن يبقى شيء من الأمل، فكما رأيت في هذا الفيلم من قسوة الواقع، أدركت جمال وعذوبة الخيال، وكيفية استشعار وإيجاد الجمال حتى لو كان في كومة قمامة. أثْرَت وجهي نظري هذه، قراءة معالجة لمسرحية عن كريستوفر كولومبوس، بصرف النظر عن نواياه الحقيقية وقتها، ولكن تناول القصة كان من جهة استكشاف الحسن واستشعاره في كل الأماكن والموجودات، حتى عدت بعدها أتأمل الأشجار على جانبي الطريق المتهدم في استحسان وامتنان، فبالتأكيد، يوجد في كل شيء، شيء من الجمال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *