كشف أثري عظيم: إسكندرية “محرم بك” التي لا تعرفها

111122222

كشف أثري عظيم: إسكندرية "محرم بك" التي لا تعرفها

بقلم الأستاذة/ يسرية الغندور 

WhatsApp Image 2026 04 16 at 7.56.44 PM


حمامات ملكية وأسرار مدفونة تحت الأسفلت.

 ذات يوم استيقظت من نومي على صوت حفر أساس ،على ناصية شارعنا المتفرع من شارع الرصافة،واللى طول عمرى من وأنا صغيرة كان المكان ده فيلا ضمن مجموعة فيلات، كانت تتميز بها منطقة محرم بك، وطول عمرنا نعرف إنها مدرسة، اسمها “الزائرات الصحيات”. وأصبحت فيما بعد فيلا مهجورة ثم بيعت بعد الثورة، وتم هدمها وأصبحت جراج للسيارات. وبعد فتره وأثناء حفر أساسات هذه الأرض، عثر الأثريون المشرفون علي “شارع رومانى قديم” موازي لشارع الرصافة ،وبعد عدة أشهر. 

بينما تمر الحافلات ويسير المارة يومياً في شوارع حي محرم بك العريق، لم يكن أحد يتخيل أن تحت أقدامهم تقع مدينة كاملة من الرفاهية، كانت تنبض بالحياة في العصور البطلمية والرومانية. هذا الكشف الأخير ليس مجرد “لقى أثرية”، بل هو آلة زمن تعيد رسم خريطة الإسكندرية القديمة.

1. حمامات “الثولوي”: رفاهية يونانية على أرض إسكندرية. 

تخيل أنك في القرن الثاني قبل الميلاد؛ هنا كان السكندريون يجتمعون في حمامات دائرية رائعة تُعرف بطراز “الثولوي” (Tholoi). لم تكن هذه الحمامات مجرد مكان للاغتسال، بل كانت “ناديًا اجتماعيًا” يعكس قمة الترف والمدنية.

الإعجاز المعماري: كشف الموقع عن دقة مذهلة في أنظمة التسخين والصرف، مما يثبت أن حي محرم بك كان يسكنه “صفوة المجتمع” الذين نقلوا أرقى الفنون اليونانية إلى قلب عروس المتوسط.

2. فيلا الفسيفساء: عندما تتحول الهندسة إلى فن

مع مرور الزمن وتحول المدينة من الحكم البطلمي إلى الروماني، ظلت المنطقة تحتفظ برونقها. الفيلا الرومانية المكتشفة، المزدانة بأرضيات الفسيفساء الملونة، تحكي قصة عائلة ثرية عاشت هنا لقرون.

هندسة المياه: ما يثير الذهول حقاً هو نظام إدارة المياه؛ شبكة معقدة من الصهاريج والقنوات التحت أرضية التي تثبت أن الإسكندرية كانت تسبق عصرها بآلاف السنين في فنون الري وتغذية الأحياء.

3. اجتماع الآلهة: باخوس ومينيرفا في ضيافة الإسكندرية

لم تكن المنطقة مجرد مبانٍ، بل كانت مركزاً فكرياً وروحياً. كشفت الحفائر عن “ثلاثي” من التماثيل يختصر ثقافة المدينة:

باخوس (إله البهجة): يذكرنا بصخب الإسكندرية واحتفالاتها التي لم تكن تنقطع.

أسكليبيوس (إله الطب): وجوده يطرح تساؤلاً مثيراً: هل كان هذا الحي يضم مراكز استشفاء عالمية؟

مينيرفا (إلهة الحكمة): تؤكد أن الفكر والفلسفة كانا جزءاً من ديكور الحياة اليومية للسكندريين.

4. العملات.. رئة التجارة التي لم تتوقف حيث العثور على عملات وأوانٍ فخارية في هذا الموقع يغير نظرتنا لحي محرم بك؛ فهو لم يكن “ضاحية” هادئة، بل كان محركاً اقتصادياً مرتبطاً بموانئ البحر المتوسط. هذه القطع المعدنية هي “البيانات الضخمة” التي تخبرنا اليوم كيف كانت تتدفق الثروات والبضائع من وإلى الإسكندرية.

خلاصة القول:

إن الإسكندرية هي بحق “مدينة فوق مدينة”. حفائر الإنقاذ في محرم بك أثبتت أن كل مشروع تطوير حديث هو في الحقيقة رحلة استكشافية لاستعادة قطعة مفقودة من “أحجية” التاريخ. الإسكندرية لا تزال تخبئ الكثير تحت ثراها، وفي كل مرة تفتح لنا ذراعيها، نكتشف أننا نسكن فوق أسطورة لا تموت.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

1 فكرة عن “كشف أثري عظيم: إسكندرية “محرم بك” التي لا تعرفها”

  1. عبدالحميد عبدالمجيد محمد

    منصة “مبدعات عربيات” هي مساحة رقمية وثقافية بارزة تُعنى بنشر المقالات والأبحاث الثقافية والتاريخية، وتضم مجموعة من الإسهامات القيمة للأستاذة يسرية الغندور (كبير باحثين بدرجة مدير عام بوزارة السياحة والآثار المصرية)، والتي تتميز بكتاباتها الدقيقة والغنية بالتفاصيل التاريخية والأثرية، لا سيما ما يخص تاريخ وثقافة مدينة الإسكندرية.
    ​إليك إطلالة على أبرز المقالات والأبحاث التي نشرتها الأستاذة يسرية الغندور عبر المنصة:
    ​١. قصر وحدائق المنتزة بالإسكندرية
    ​تناولت فيه التاريخ المعماري والسياسي لهذا العصر والأيقونة الفريدة، مستعرضةً:
    ​تأسيس قصر السلاملك عام 1892م في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني كمصيف له.
    ​بناء قصر الحرملك عام 1925م في عهد الملك فؤاد الأول على الطراز الإيطالي.
    ​التحولات التاريخية بعد ثورة 23 يوليو وفَتح الحديقة للجمهور وبناء فندق فلسطين لاستضافة القمة العربية الثانية عام 1964م.
    ​٢. كشف أثري عظيم: إسكندرية “محرم بك” التي لا تعرفها
    ​مقال يدمج بين الذكريات الشخصية والتوثيق الأثري، حيث استعرضت فيه الاكتشافات الأخيرة في حي محرم بك العريق ومنها:
    ​حمامات “الثولوي”: وهي حمامات دائرية تعود للقرن الثاني قبل الميلاد (العصر البطلمي) وتكشف عن رفاهية اجتماعية وأنظمة متطورة للتسخين والصرف.
    ​فيلا الفسيفساء: التي تعود للعصر الروماني وتبرز دقة تصميم صهاريج وقنوات المياه التحت أرضية.
    ​التماثيل المكتشفة: مثل تماثيل باخوس وأسكليبيوس (إله الطب)، مما يطرح فرضيات حول وجود مراكز استشفائية هناك.
    ​٣. مسجد سيدي عبد القادر الجيلاني
    ​دراسة معمارية وأثرية متخصصة حول المسجد الواقع في شارع “قبو الملاح” بحي الجمرك بالإسكندرية، شملت:
    ​تحليل تأثير المذاهب الدينية والسياسية (الفاطمية، الأيوبية، المملوكية) على تطور العمارة الإسلامية في مصر.
    ​الوصف المعماري الدقيق لإيوان الصلاة، والعمود الجرانيتي ذو التاج الكورنثي المنقول من عمارة أقدم، والقباب الأربع المزخرفة بأطباق نجمية.
    ​٤. مقالات أثرية وتاريخية متنوعة
    ​المسارج في مدينة كانوب: بحث يتناول وسائل الإضاءة القديمة عبر مسارج الزيت الفخارية المنتشرة في العصرين اليوناني والروماني.
    ​عين حورس والحساب: مقال يشرح النظام الحسابي والكسور عند قدماء المصريين عبر الرموز المقدسة لعين حورس (أوجات).
    ​تعد هذه الإسهامات نموذجاً مميزاً للمزج بين التخصص الأثري الأكاديمي والأسلوب السردي المشوق الذي يصل للجمهور العام عبر المنصات الثقافية العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *