تأملات من سورة مريم
الأديبة/ إنجي شلتوت
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا﴾
حين وهن العظم من زكريا، واشتعل رأسه شيبًا، وأدرك أن الأسباب الظاهرة قد انقطعت، لم يتجرأ أن يسأل ما يراه بعيدًا عن سنن الواقع، فقد كانت امرأته “عاقرًا” وكان قد بلغ من الكِبَر عتيًّا، ومع ذلك لم يأتِ دعاؤه صريحًا بطلب ولد، إنما جاء أكثر حياءً واتساعًا:
﴿فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا﴾
طلب زكريا “وليًا” من الله عز وجل، وترك باب الكيف مفتوحًا. لم يقيد العطاء بسبب، ولم يحصره في صورة بعينها، فهو راضٍ بأن يتجلى كرم الله كما يشاء، كرم الله الذي لا تحكمه حدود الواقع.
فالولي في لسان العرب يحمل معاني القرب، والنصرة، والتولي، ومن يقوم بالأمر ويحفظه، وبذلك فإن اختيار زكريا لهذه الكلمة يدل على أن جل همه هو قريبٌ يحمل أثره ويصونه من بعده، خاصة أنه متقبلٌ للأمر، راضٍ عن وضعه بلا ذرية.
وفي موضعٍ آخر من سورة مريم، تأتي كلمة “وليًا” بمعنى القرب والنصرة لا بمعنى النسب، كما في قوله تعالى:
﴿فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا﴾
مما يفتح أفق الكلمة على دلالاتٍ أوسع من معنى الذرية وحده، ومن يتتبع لفظ “وليًّا” في القرآن الكريم، يلحظ حضوره في مواضع عديدة بدلالاتٍ تدور حول القرب والنصرة والتولي، ولا تنحصر في معنى الولد أو الذرية، مما يفتح باب التأمل في سعة الكلمة ومرونتها في السياق القرآني.
كان دعاء زكريا مشوبًا بالرضا، مغمورًا بالأدب، خاليًا من الاعتراض، لم يلحّ في تغيير الواقع، ولم يسأل شفاءً لامرأته، ولا طلب استبدالٍ بغيرها، بل قدّم حاجته في صورة نداء خفي، خاف على الدين من بعده، فطلب من يسنده ويكمل رسالته.
وبما أن الله يعلم خفايا القلوب قبل أن تنطق بها الألسن، أعطاه ما هو أوسع من ظاهر لفظه، وأقرب إلى أمنيته الدفينة، فلم يمنحه وليًا كما دعا إنما بشره بغلامٍ باسمه وهويته وفرادته:
﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا﴾
وهنا ظهر التعجب البشري الصادق:
﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ…﴾
ثم جاء الجواب حاسمًا:
﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ﴾
هنا سقطت كل المعادلات في لحظة، وكل الأسباب تداعت أمام الأمر الإلهي.
في هذه القصة نرى أدب الطلب والدعاء، وحياء العبد من ربّه، وكيف أن الله يجيب الدعوات بما هو أكثر نفعًا لنا، حتى وإن رأينا بخبرتنا المحدودة غير ذلك.
فكم من أمنيةٍ لم ننطق بها ظنًا منا أنها مستحيلة، وهي عند الله أقرب مما نظن.
