دراسة تحليلية نقدية لرواية “رحلة اكتمال القمر” للكاتبة مروة رشدي

WhatsApp Image 2026 08 28 at 8.57.29 PM

دراسة تحليلية نقدية لرواية "رحلة اكتمال القمر" للكاتبة مروة رشدي

الكاتبة/ شروق مجدي

WhatsApp Image 2026 04 13 at 6.44.33 AM


بداية من العنوان، فعندما ننظر إلى عنوان الرواية نظن أن الرواية تدور حول رحلة للقمر وماذا اكتشف علماء الفضاء في القمر؟ هل اكتشفوا أن الإنسان يمكنه العيش على القمر مستقبلاً، وأن الرواية رواية خيال علمي؟ إنما تعتبر هذه الرواية رواية واقعية اجتماعية. وأرى الكاتبة قد تناصفت المرآة؛ لكن يستوقفني سؤال: من المفترض أن هذا العمل هو عمل روائي، فأجد الكاتبة وضعت أرقاماً: (1) سكينة أبو الملوك، (2) أُميمة يس المليجي، (3) شهيرة منصور، وتركت النهاية مفتوحة. في الأول من الذكاء أنها تتركه هكذا، فالعمل مثير ومشوق، إنما بهذا الشكل يعتقد القارئ أنها قصص قصيرة منفصلة، فيسأل: لماذا قلت إنه عمل روائي؟

من الممكن تحويله إلى مسلسل (سيتكوم)، كل قصة تعالج مشكلة؛ فقصة سكينة تعالج الفوارق الطبقية، وقد صنعت مروة رشدي مزيجاً رائعاً بين الأتراك أصحاب الطبقة العليا والملامح ذات الجمال الفريد، وأهل الإسكندرية أصحاب الطبقة والملامح الشعبية. كما أن الكاتبة أشارت إلى فكرة تعليم الفتاة والاهتمام بها واحتضانها، واستخدمت أسماء لها سيميائية؛ مثل “سكينة” رمز للهدوء والسكينة، و”روح” فهي روح طيبة بريئة، بينما سكينة تدس السم في العسل، تفتن الناس بجمالها، إنما تأخذ سُمّاً لكي تقتل فارس (كلب سيد)، وكم تحمل غيظاً بقلبها نحو زوجها سيد صاحب الشخصية الضعيفة.

تميزت الكاتبة بصدق التعبير والمشاعر، حتى التعبير بالنظرات؛ فتنظر سكينة إلى بائع المجوهرات محمود اللوندي نظرات بها دلال دليل على إعجابها به. هل ترغب في خيانة زوجها؟ اختارت الكاتبة ألواناً لها رمزية؛ مثل البرتقالي، لون جميل هادئ نوعاً ما، وهو من الألوان الزاهية.

تأثرت الكاتبة بالإسكندرية، رغم أني عندما قرأت “سكينة والمنشية والزنقة” ظننت أنها تحكي حكاية ريا وسكينة، صانعة “فلاش باك” مع إضافة شيء من خيالها أو تحكيها هي من منظورها. أرى قصص سكينة أبو الملوك، وبولين فوزي، وأُميمة يس تدور حول فكرة تميز الذكر عن الأنثى؛ فسكينة رغم أنها كانت الذراع الأيمن لأبيها في محلات العطارة لكنها لم ترث لمجرد أنها أنثى.

شكلت الكاتبة صراعاً بين الثقافات، كما شكلت صراعاَ بين الألم النفسي والمشاعر، فالمشاعر تتغير والعلاقات تتغير؛ هذا ما أرادت توصيله الكاتبة في نهاية الرواية على لسان شهيرة منصور، فهي الجديرة بإعطاء محاضرات في التعافي من الآلام النفسية والصدمات تحكي تجربتها. عاشت صراع مشاعرها نحو زياد ابن عمها الذي خانها، وإعجابها بمصطفى النجار، وظهور عمر أبو العينين في حياتها يراوغها ويجذبها إنما تتجاهله بسبب مشاعرها المتصادمة، ثم يظهر على حقيقته.

قصة شهيرة منصور تعالج قضية الوجاهة الاجتماعية ونظرة بعض العائلات أصحاب الوجاهة للسيدة المطلقة؛ حُرمت شهيرة من زهرة شبابها، تحضر مؤتمرات أكبر من سنها وتجلس مع سيدات يكبرونها أعواماً تزيد عن عشر سنوات. لماذا خانها زياد؟ هل يراها فقط أُماً ليست زوجة، تهرب منه فقط لانزعاجها من صوت شخيره؟ كيف تحبه وهي معجبة بمدرب ابنها؟ موقف علا من الممكن أن يكون موقفاً حيادياً؛ فكرت أن تبتعد وليس لها دخل حتى لا تختلق مشاكل. هل تخاف من زياد؟ لكنها من المفترض أن تقف موقفاً بطولياً تفي لصديقتها إن كانت صديقة حقيقية.

اختارت الكاتبة أسماء لها سيميائية؛ مثل شهيرة منصور، فشهيرة من الشهرة ومنصور من النصر، فقد انتصرت على الصراع والآلام واختارت شريك حياة جديداً “مصطفى”، فهو المختار وهو الشخص المناسب الذي تكمل معه شهيرة باقي حياتها. أبدعت الكاتبة في وصف المناظر والأجواء والأماكن، واختيار أغاني أنغام مثل أغنية “كل ما نقرب لبعض” معبرة عن شعورها نحو مُدرب ابنها، و”أحلام بريئة” معبر عن أحلامها فهي تصرخ تنادي بحقها بالاستمتاع بحريتها وحياتها، وأغنية “أنا ساندة عليك” تعبر عن مشاعرها تجاه مصطفى فهو الحب الحقيقي والظهر والسند والداعم.

شهيرة مرهفة الحس، فقد جمعت بين القوة الخشنة “الهندسة” والقوة الناعمة “اليوجا” والدعم النفسي. وأغنية “تيجي نرقص” في حفل زفافها شكلت صراعاً جميلاً بين الواقع والخيال، رقصة طويلة أغمضا عيناهما حتى انتقلا لواقع يحلمان به من حب ومشاركة وتفاهم وانسجام.

بولين فوزي: اختارت الكاتبة أسماء ذات رمزية؛ مثل “بولين” وهو اسم يتطابق مع ما وصفته الكاتبة من مواصفات شكلية، فاسم بولين مشتق من بولا ويعني الصغير ضئيل الحجم ويرمز للرقة وجمال الروح. اسم بولس أيضاً يعني الصغير، واسم حنا يرمز للحنان، واسم ماري يعني المحبوبة، فكانت الوحيدة من أفراد عائلتها الحنونة عليها واضطُرمت بمحبتها. أما “فوزي” فقد فازت بولين في النهاية بزوج يتقي الله فيها، يحبها حباً حقيقياً دون النظر لشكلها الذكوري، لكن أراها قد جمعت بين شكل ذكوري خشن المظهر وروح أنثوية من الداخل.

صنعت مروة رشدي مزيجاً عظيماً مواطناً بين عنصري الأُمة في حي شبرا ومساهرة، فقد تزوجت أمها من مسلم كانت تحذر ابنتها من مصاحبة المسلمين، وقد سارت في صفوفهم في حفل الزواج الثاني لبولين، زواجها من يوجدان الأشقر. لم تخلق الكاتبة أي صراع أو تنافر بين الأشقر الأبيض والأسمر، وهذا أكبر دليل على أن الأبيض لم يكن أبداً عكس الأسود، إنما هو التقاء أرواح خلقت بينهما توافق وتجانس. كما أن الكاتبة وفقت في اختيار رياضات اليوجا والغوص فهما أكثر الرياضات إفادة لدعم النفس وبناء الثقة وإخراج الضغط والكبت، فلم أجد الكثير من الكتاب يتطرق لتلك الفكرة، فأرى حداثة الفكرة.

اختارت الكاتبة أماكن روحية؛ مثل الكنيسة وزيارة أطهر بقاع الأرض “المدينة المنورة”، كما اختارت أصواتاً هادئة؛ مثل صوت الشيخ محمد صديق المنشاوي في تلاوة القرآن، وصوت فضل شاكر في الغناء. شيء تحمد عليه الكاتبة الاستشهاد ببعض الأشعار ورقص سكينة، وكانت مفاجأة حينما علمنا أن “سوسكة” هي سكينة أبو الملوك وهي صاحبة المنتجع، كأنها تبدلت لشخصية جديدة؛ فهي حقاً تبدلت، أخرجت كبتها بروح الطفل المدفونة بداخلها، سافرت فالسفر دليل على التغير، فحقاَ أصبحت شخصية جديدة.

أرادت الكاتبة توصيل رسالة أن كل شخص داخله بئر أسرار، إن دخله أحد يسقط فيه مصدوماً، إنما تأتيه أوقات تعب يرجو فقط لحظة تجلي يلقي بها الحجر الموضوع على صدره، وهذا ما حدث مع أُميمة. كما رامت مروة رشدي توصيل رسالة أن الأشعار والموسيقى وسائل للتأمل والتخيل. اختارت أسماء لها سيميائية؛ مثل أُميمة وأيمن، فقد نشآ تناغماً في الأسماء؛ أُميمة تصغير من أُم رمز للعطاء والحنان، وأيمن فهو اليد اليمنى قدم لها يد العون والمساعدة، وهبها قلبه وحبه حتى وإن كانت تعيش معه بنصفه. رحلة ترمز لرحلة الحياة صاحبنا فيها ناس يحبونهم. حفلة عيد ميلاد أُميمة: أبدعت الكاتبة في وصف الأجواء، عيد الميلاد رمز للميلاد والحياة لكنها حزينة تسأل في نفسها: كيف تحتفلون بعيد ميلادي وأنا أكره هذا اليوم؟ أنا غير مرغوبة من أمي وأبي اللذين هما السبب الأول لمجيئي للحياة.

عندما نعاود النظر إلى عنوان الرواية، فالرحلة جميلة ولقاء يملؤه مشاعر مودة وصداقة وذكريات، وللقمر.. والقمر حيث الضوء الجميل الهادئ والجبال الشاهقة ذات منظر خلاب. انتهت نهاية سعيدة، كل واحدة منهن تزوجت فالزواج يعني استقراراً. صنعت الكاتبة قفزات في حياة كل منهن، فكل واحدة لها تاريخ مرير ثم حاضر جميل مبشر بمستقبل أفضل.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *