خواطر ياسو :*أبٌ يصغر.. وطفلةٌ لا تريد أن تكبر
بقلم الكاتبة/ يسرية الغندور
هناك لحظةٌ خاطفة في الحياة تسقط فيها غشاوة الطفولة عن أعيننا، لحظة لا نعود بعدها كما كنا أبداً. لم تكن بالنسبة لي مجرد أيّام تمر، بل كانت تسللاً خفياً للشيب وهو يغزو شعر أبي، وتجاعيد ناعمة ترتسم حول عينيه كأنها خرائط لسنواتٍ من التعب والصبر.
كنت أراقبه من بعيد. ذلك الرجل الذي طالما بدا في نظري جداراً فولاذياً لا ينهدم، وسقفاً يحميني من كل عواصف الدنيا، بدأت خطواته تتباطأ قليلاً. رأيت يده وهي ترتجف خفية وهو يحمل كوب شاي، وسمعت تنهيدته الثقيلة المسائية التي تحاول أن تخفي خلفها إرهاق السنين. في تلك اللحظة بالذات، تملكني خوفٌ هادئ ولكنه كان مرعباً كأعمق المحيطات؛ لقد كان أبي يكبر أمام عينيّ، والتعب يكتب سطوره على وجهه بلا رحمة.
في تلك الليلة، جلست عند نافذتي وأنا أنظر إلى كفّي الصغيرين. تمنيتُ أمنيةً يبدو أنها مستحيلة، ولكنها كانت كل ما أملك: “يا رب، لا تجعلني أكبر.. دعني أظل طفلة”.
لم يكن همي أن أهرب من مسؤوليات الحياة أو أن أظل ألعب، بل كانت أمنية ينبض بها الخوف. كنت أظن في عقلي الصغير أن الوقت لو توقف عندي، سيتوقف عنده أيضاً. لو رفضتُ أنا أن أنمو، فلن ينال منه المشيب، ولن تسرق الأيام قوته، وسيبقى لي ذلك البطل القوي الذي يرفعني على كتفيه ليراني العالم كله.
أن ترى والدك يضعف، هو الوداع الأول لراحة البال البكرة. تجعلك تلك اللحظة تدرك أن الزمن قطارٌ سريع لا ينتظر أحداً، وأن أحصن قلوعنا قد تتآكل بمرور الأيام. ولكن، رغم خوف الطفولة ومرارة الاكتشاف، تعلمتُ أن شيب أبي لم يكن دليلاً على الضعف، بل كان أوسمة فخرٍ حفرتها السنون وهو يحملنا على عاتقه.
قد تكبر أجسادنا وتفلت الأيام من بين أيدينا، ولكن تلك الطفلة التي تمنت يوماً أن يتوقف الزمن ستبقى حية في داخلي، تحب ذلك الرجل، وتدعوه في كل صلاة أن يحفظه الله، جداراً لا يميل، وسنداً لا يعوض.
رحمة الله عليك يا أبي

مقاله جميله ورائعه
ياريت تستمري علي هذا المنوال من الخواطر
خالص تحياتى