الدكتورة/ مها حسن محمد
لن أنسى أبدًا تلك الكومة الهائلة من الكتب التي أحضرها أبي معه للمنزل ذات يوم، لإنهاء أعمال تسجيل وفهرسة مكتبية. كانت بالنسبة إليه عمل إضافي وبالنسبة لنا، ثروة لا تقدر بثمن.
يومها، ظلت أفواهنا – أنا وإخوتي – مفتوحة انبهارًا وسعادة برؤية سلسة قصصنا المفضلة كاملة أمام أعيننا والتي لم تكتمل في مكتبة مدرستنا.
دخلنا سباقًا مع الزمن وضد المهلة المتاحة أمام أبي لإنهاء عمله، أتذكر أنني قرأت في ذلك الأسبوع أكثر مما قرأت في سنواتي التالية. كنا نتناوب قصة تلو الأخرى ونوصل الليل بالنهار لإنهائهم، عندها رجونا أبي أن يؤخر عمله ويتباطئ فيه، ولن أنكر السعادة التي رأيتها في عينيه، كانت فخرًا منحنا الطمأنينة.
لم يستوعب عقلي كم الحكايات والمعلومات المنهمرة، فنسيت بعضًا منها، ولكن علق بالذهن ما يستحق، واستبقينا لحظنا السعيد بعض الكتب متعددة النسخ، بعد سماح صاحبها بذلك.
كتاب منهم أعتقد أنه كان سببًا في تغيير وجهة نظري للحياة، واسمه ( الحياة تبدأ بعد سن الستين)، مجموعة من القصص العربية عن رجال ونساء أكملوا حياتهم بعد الظنون بانتهائها، أباء وأمهات تخلى عنهم أبناؤهم، زوجات مهملات بعد الكبر، أناس طافوا العالم واستقر بهم الحال في دور الرعاية. استنكرت أمي أن تقرأ ابنة تحت العشرين قصصًا لأناس أقرب للنهاية منهم لمقتبل العمر، ولكن تلك القصص ظلت محفورة في ذهني ووقودًا يجعلني أهمل مرور السنين وأعتبرها مجرد أرقام جوفاء. أقنعني ذلك الكتاب دائمًا بتعدد الأعمار، فلكل شخص عمر عقلي بحسب خبراته، وعمر مظهري بحسب شكله وهيئته، يجعلك تظن أن ابنة السابعة عشرة، في العشرين من عمرها إذا تبرجت وتزينت أو كما يقولون (فايرة)، أو أن شخصًا لطيف الملامح في الأربعين من عمره ولكنه يبدو أصغر بعشر سنوات، ناهيك عن العمر النفسي، وهو شعور الشخص بشبابه وشيبه، أو كما نقول ( الشباب شباب القلب)، فالبعض صغار ولكنهم يحملون هم السنين، ومن الكبار من لم يؤثر في قلبه المشيب.
فكيف إذن مع اختلاف وتعدد أدوات الحكم، أن يكون لمجرد رقم في البطاقة أي مصداقية!
ستكون (خانة) السن عندئذ، بلا معنى.


