بقلم الأستاذة/ أريج أحمد عبدالمولى
لطالما كانت الإسكندرية منارةً للعلم والعلماء؛ ومن بين فلاسفتها وعلمائها، كانت “هيباتيا” أول امرأة يلمع اسمها كعالمة رياضيات ومتخصصة في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة و عالمة فلك ، والتي يُخلّد ذكراها اليوم تمثال حديث في ساحة الماسة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر.
هيباتيا هي أول شهيدة للعلم و المعرفة علي ايدي غوغاء التطرف الديني .
قصتها و تأثيرها العلمي : ولدت هيباتيا في الإسكندرية للفيلسوف وعالم الرياضيات ثيون Theon وزوجته نحو عام ثلاثمئة وخمسة وخمسين ميلادي ، كان والدها سبب في حبها للعلم و الفلسفة حتي كبرت و كبر حبها للعلم معها ، ثم تخصصت في الفلسفة الافلاطونية المحدثة و اصبحت عالمة فلك و رياضيات.
و هي في سن ٢٥ عام أصبحت تُدرس للطلبة العلم ، و خاضت في مجالات العلم التي كانت حكرا علي الرجال في ذلك الوقت الذي حرمت فيه المرأة فيه من العديد من حقوقها و اعتبرت فتنة و كان لها مكانتها بين طلبة العلم لما امتازت به من ذكاء و عبقرية و تعتبر ” أم” للعلوم الطبيعية و الحديثة
حتي أن المؤرخ اليوناني سقراطس كتب عنها و قال : إنها لم تكن لتخجل من الدخول علي مجالس الرجال .
عرفت هيباتيا أيضًا بدورها في العمل الإنساني والخيري. كانت تساعد الفقراء. وكانت تشجع النساء على التعلم وتنمية مهاراتهن.
لقد كان علمها سبباً في أن تُخصص اليوم جوائز علمية مرموقة تحمل اسمها وتُمنح لكبار العلماء حول العالم، لتظل رمزاً للعلم الذي لمع وتلألأ في أرجاءالإسكندرية المحروسة. إن ‘هيباتيا’ تجسد رمزاً لعلوم مصر الممتدة والمتجذرة عبر التاريخ في شتى أنحائها. وكما كان علمها منارةً، فقد كان لحادثة وفاتها المأساوية أثرٌ عنيف وصدمة كبرى هزت أركان المدينة، بل وترددت أصداؤها في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية.
حادثة وفاتها : بحلول القرن الخامس الميلادي كان هناك اسقف يدُعي كيرلس الاول هو اسقف الكنيسة المسيحية في الإسكندرية وقتها يدرك خطورة هيباتيا في المدينة خاصة أن عدد جمهورها كان يزداد ، بالإضافة إلي صداقتها للوالي ( أوريستوس) الذي كان بينه و بين الاسقف صراع سياسي في النفوذ و السيطرة علي المدينة ، و زاد الأمر سوءاً حين حدث صراع بين كيرلس و اليهود المتواجدين بالمدينة و سعي جاهدا لاخراجهم منها و نجح في ذلك إلي حد كبير بمساعدة الرهبان الذين شكلو جيشا و قاموا بتسميته ب ( جيش الكنيسة).
و لم يكن باستطاعة الوالي ( أوريستوس ) التصدي لهذه الفوضى و تعرض للإهانة و تأزمت العلاقة بينه و بين المسيحين رغم أنه كان مسيحيا ،و سرت الشائعات في المدينة أن سبب هذا العداء بين رجلي الإسكندرية هي هيباتيا و أنها أثرت علي الوالي ف قرروا التخلص منها بطريقة بشعة
أثناء رجوعها لبيتها في يوم بعد أحدي ندواتها تتبعوها و قاموا بالاعتداء عليها و جرها من شعرها علي الأرض ثم قاموا بجرها بحبل ملفوف علي يدها في شوارع اسكندرية و قاموا بتعذيبها حتي القوها فوق كومة من الأخشاب و اشعل*و النيران في جسدها .
هذا الوصف لمقتلها ما ذكرته اقدم مخطوطة يوناني يورد قصتها أنه مخطوط (Σούδα Ο Σουιδασ) (suidas)
الذي يعود إلي القرن العاشر الميلادي للمؤرخ داماسيوس و الذي ذكر فيه و قال : و قد عانت هذا كله بسبب حسدهم من معارفها المميزة في ميدان علم الفلك .
كان لمقتل هيباتيا تأثير عميق ومخيف على العلاقات بين الطوائف في المدينة أيضاً. فقد جسدت هيباتيا نموذجاً خاصاً لنخبة المثقفين الوثنيين الذين يعملون مع المؤسسات السياسية للإمبراطورية الرومانية المسيحية ويدعمونها
في النهاية هيباتيا هي شهيدة العلم والعقل والحرية الفكرية. لا يزال اسمها يُذكر في كثير من الكتب والمقالات والمناقشات حتى يومنا هذا كرمز للشجاعة والمعرفة والتميز العلمي للمرأة في التاريخ.


