الدكتورة/ بلسم القارح- السودان
في شمال وطني، أهدانا الجمال حكايات لم تسعفنا الكلمات لتمييزها، فجرينا الحروف على مجراها، لتجاري فيها صمتًا ذكيًا، واحترامًا للخبايا التي لم تُروَ بعد.
أولى الحكايات
شهدت الفترة ما بين 3800 إلى 3100 قبل الميلاد مسرحًا لحكاية جميلة؛ حكاية أناس عاشوا ببساطة، ليخلّدوا حياة تنمو مثل زهرة على ضفاف النيل.
كانت النساء تصنع الفخار بأصابع تشبه طيورًا تُهدهد أطفالها، بينما كان الرجال ينسجون طرقهم بين الرمال، يحملون حبات القمح وحكايات السفر.
كانت البيوت صغيرة… لكن الأحلام كبيرة، تكبر مثل الشمس التي تشرق كل يوم على الوادي.
المجموعة (أ): أول خطوة في الطريق
كانت المجموعة (أ) من أوائل من استقروا في المنطقة، يعيشون في تجمعات صغيرة تعتمد على الزراعة البسيطة، وصيد الأسماك، وتربية الحيوانات.
عرفوا باسم «تا-ستي» – بلاد القوس، ليس فقط لقوة سواعدهم، بل لحضورهم الواضح على ضفاف النيل.
مثلما يتبادل الناس اليوم الهدايا والقصص، كان أهل المجموعة (أ) يتبادلون مع مصر القديمة السلع والرموز، فصار بينهم جسر من الثقة، صنعته القوافل وكملته المحبة بين ضفتي النيل.
ومع الوقت، تعلم أهل هذه المجموعة التجارة، فانتقل الذهب والعاج والأخشاب من أيديهم إلى أراض بعيدة، حتى أصبحت قسطل مركزًا لمملكة صغيرة تنبض بالحياة قبل نحو 3000 سنة قبل الميلاد.
وفي قبورهم تركوا رسائل صامتة: فخار أحمر لامع، أدوات زينة، صدف من البحر الأحمر… كأنهم يقولون لنا:
“كنا هنا، وعشنا بكرامة وجمال”
لكن الحكاية تغيّرت حين سيطر الجار الشمالي على طرق التجارة والذهب، فخفت صوت المجموعة (أ)وتراجع حضورها.
المجموعة (ج): الحكاية لا تنتهي
بعد زمن، عاد الناس إلى النيل من جديد، وظهرت المجموعة(ج) لتبدأ مرحلة جديدة من الاستقرار والبناء.
انتشرت القرى على ضفاف النهر، ورُبيت الماشية وزُرعت الأرض، وصار للفخار لغة أخرى: أسود، مزخرف بخطوط بيضاء… بسيط وجميل، مثل الحياة نفسها.
نشطت التجارة مرة أخرى، ووصلت سلع من أماكن بعيدة، وعاشت هذه الحضارة أزهى أيامها جنبًا إلى جنب مع حضارة كرمة.
تغيرت العادات وتشابهت الصناعات، تأثرت وأثرت، لكن الروح المحلية بقيت… تتكيّف، ولا تختفي.
الحكاية المستمرة
هذه حكاية شعب يشبهنا، بنى حياته على النيل، عاش على ضوء الشمس ولون التراب، وترك لنا الحكاية لنكملها.


