
عين الحقيقة
بقلم الدكتورة/ عبير خالد يحيى

كلّ شيء يبدأ بالضوء. شعاع يتسلّل بين الظّلال، يفضح التفاصيل المنسية، يلتقط لحظة قد تبدو عابرة لكنها تحمل ثِقل الحياة بأكملها.
كنتُ هناك، أراقب عبر نافذتي الصغيرة عالمًا تحجبه العيون عن نفسها، عالمًا تكسوه طبقات من الصمت، والوجع، والكبرياء المنهك.
في ذلك اليوم الرمضاني، كنتُ شاهدة على حيٍّ مهدّم، شارعٍ فارغ إلّا من الريح التي تحرّك الغبار بين الأنقاض.
المباني المتصدّعة تحكي قصصًا لا تحتاج إلى كلمات، والسكون يلفّ المكان ككفن.
بعيدًا في الزاوية، كانت هناك نافذة نصف مكسورة، تتدلّى منها ستارة ممزقة، تُرفرف كأنّها راية استسلام.
وسط هذا الخراب، ظهر رجل مسنّ، يحمل على كتفه شوالًا أثقل من سنينه، يمضي ببطء وكأنّه جزء من المشهد، قطعة متآكلة من هذا الركام المنسي. كانت خطواته تتردّد بصمت في المكان، حتى بدا وكأنّ المدينة كلّها تحبس أنفاسها لرؤيته.
اقترب منه المذيع، سأله عن حاله. في تلك اللحظة، شعرتُ أنّ الزمن تباطأ. رفع الرجل رأسه، رسم على شفتيه ابتسامة لا تشبه وجهه المتعب، ثمّ قال بصوت ثابت:
– “مستورة، الحمد لله.”
تحرّكتُ ببطء، التقطتُ ملامحه المرهقة، قطرات العرق التي تسلّلت بين تجاعيده، يديه النحيلتين، قدميه المثقلتين بالألم.
ثمّ جاء السؤال الثاني، سؤال بسيط ظاهريًّا، لكنّه حمل معه أكثر مما ينبغي:
– “ما أحب الأطعمة إلى عائلتك؟”
تنهّد، وكأنّ الإجابة تخرج من عمق روحه، ثم قال:
– “المجدّرة.”
توقّفتُ للحظة، تراجعتُ قليلًا، كأنّني لا أريد أن أقترب أكثر من هذا الجرح المكشوف. رأيتُ في تلك الكلمة أكثر ممّا تحتمل، رأيتُ فيها بيوتًا خاوية، موائد يملؤها الفراغ، جوعًا مستترًا تحت غطاء الصبر. كنت قد شهدتُ ولائم فاخرة، موائد تُقام لتفيض، وتُترك لتُرمى. أمّا هنا، في هذا الحيّ المدمر، كانت “المجدرة” حلمًا، ترفًا بعيد المنال.
عندما مدّ المذيع يده ببعض المال، تحرّك الرجل بسرعة غير متوقعة، كأنّه يخشى أن يُقتلع منه ما تبقى من كرامته. رأيتُ الشوال يهتزّ فوق كتفه، قدماه تتعثّران في الركام، وظهره ينحني أكثر وهو يبتعد. ركض هاربًا بين الظّلال، شواله يتمايل على ظهره، خطواته غير متزنة، كأنّ الأرض من تحته ترفض أن تثبّته عليها.
حاولتُ تتبعه، لكنني عجزت. للحظة، تمنّيت لو أنّي قادرة على إغماض عيني، أن أتوقّف عن رؤية ما لا يستطيع الآخرون احتماله. لكنّني وُجدتُ لأحفظ الحقيقة، مجرّد عين ترى، لا يد تمسح دمعة، ولا صوت يواسي.
وفي النهاية، أغمضتُ عيني على مشهد لن يُمحى، كأنّني أحاول أن أحبس الصورة داخلي… حتى لا يضيع الوجع في العتمة.
ومع ذلك، ظللتُ أُسجّل، كأنّني، رغم كلّ شيء، عاجزة عن إيقاف الزمن أو محوِ الألم.
