
قراءة سيميائيّة نفسيّة لرواية زهرة من فستان قديم للكاتبة ناهد تاج
الأستاذة الدكتورة/ درية فرحات

يظهر أنّ الذّاكرة العائليّة والمرأة والمكان والحنين تشكّل محاور الرّواية الأساسية، ومن هنا سأقدّم قراءة سيميائية نفسيّة موجزة للرّواية.
وانطلاقًا من سيميائيّة العنوان يُعدّ عنوان “زهرة من فستان قديم”عتبة دلاليّة كثيفة؛ إذ يجمع بين علامتين متباعدتين:
– الزّهرة: رمز الحياة والتّجدّد والجمال.
– الفستان القديم: رمز الذّاكرة والماضي والأنوثة والزّمن المنقضي.
واللّافت أنّ الزهّرة لا تنبت من تربة طبيعيّة، بل من فستان قديم، وكأنّ الرواية تؤسّس منذ عنوانها لفكرة مركزيّة مفادها أنّ الماضي ليس مجرد زمن منتهٍ، بل مادة حية تُنتج الحاضر. وعليه يمكن أن يتحوّل الفستان إلى وعاء للذّاكرة، بينما تصبح الزّهرة علامة على انبعاث الحياة من بقايا التّجربة.
ويبدو جليًّا أنّ الرّواية تستند إلى سيميائية الأشياء، وهي تشكّل علامات ثقافيّة بارزة:
– البيت يمثّل الذّاكرة الجماعيّة.
– الملابس القديمة تمثّل استمرار الماضي في الحاضر.
– الصّور والمقتنيات العائليّة تتحوّل إلى أرشيف للهويّة.
– القطة (بسبوسة) تؤدّي وظيفة رمزيّة تتجاوز حضورها الحيوانيّ لتصبح علامة على الألفة المنزليّة والبراءة والاستقرار المفقود.
ولعلّ هذا ما يدفعني إلى القول إنّ الرّواية تبنى على شبكة من العلامات التي تستدعي الماضي وتعيد إنتاجه.
أمّا سيميائية الزّمن فهو لا يسير خطيًّا في الرّواية، إذ يتداخل الماضي بالحاضر، وبذلك تلجأ الرّاوية إلى استخدام الاستراجاعات المتكرّرة فيبدو الزّمن النّفسيّ أهم من الزمن الكرونولوجيّ، ما يجعل الذّاكرة بطلًا خفيًّا يحرّك السّرد كلّه.
وإذا فصّلنا الحديث في القراءة النّفسية يمكن قراءة الرّواية كونها رواية ذاكرة وصدمات، فالشّخصيّات لا تعيش حاضرها بقدر ما تعيش آثار ماضيها. لهذا فإنّ الأحداث السّابقة تؤدّي دورًا في تشكيل الوعي والسّلوك والانفعالات، فتبدو الرّواية قريبة كما ذكرنا قريبة من مفهوم الصّدمة النّفسيّة الممتدّة التي تظلّ فاعلة حتّى بعد انتهاء أسبابها.
وما يلفت في الرّواية هو الحضور الكبير للفقد الذي يعدّ من أبرز البنى النّفسيّة فيها، وتعدّدت أشكال حضور الفقد، فكان هناك فقد الأشخاص والأمكنة والأزمنة الجميلة والأحلام. وإن حاولت الرّواية التفلت من الاستسلام لهذا الفقد عبر تحويله إلى طاقة للمعنى، وأبرز ما عبّر عن ذلك هو دلالة الزهر في العنوان.
وفي الختام لا يفوتني إلّا أن أشير إلى الإهداء الذي له دلالة بارزة، فهي تهدي عملها إلى كل امرأة عاشت بفستانها القديم وكأنّ هذا الإهداء يجسّد ما عبر عنه العنوان.
كل الشّكر والتألق الدّائم.
