كيف يُعاد تشكيل التوازن بين الحياة والعمل لدى المرأة في ظل تعدد الأدوار
بقلم الكاتبة / منار محمد شيخ بن الشيخ ابوبكر-باحثة دكتوراه في إدارة الأعمال اليمن
إليكم قراءة تحليلية في دور بيئات العمل المرنة وإدارة الطاقة في تحويل تعدد الأدوار إلى ميزة إنتاجية. في بيئات العمل التي تتسارع فيها الوتيرة وتتشابك فيها المسؤوليات، لم يعد معيار الكفاءة محصورًا بما يُنجز خلال ساعات الدوام، بل بقدرة الفرد على الاستمرار بنفس الجودة دون استنزاف.
من خلال دراسة استطلاعية أجرتها الباحثة مطلع 2025 على 52 امرأة عاملة في قطاعات التعليم والتكنولوجيا والخدمات المالية في اليمن- محافظة حضرموت (عبر استبانة ومقابلات شخصية)، كشفت النتائج أن النساء لا يعانين من تعدد الأدوار بقدر ما يطورن آليات متقدمة للتكيف؛ إذ يظهر نمط واضح من إعادة ترتيب الأولويات، والانتقال المرن بين المهام، بما يحافظ على مستوى أداء مستقر حتى في ظل ضغوط متداخلة.
ولا تقف هذه القراءة عند حدود الملاحظة الميدانية، بل تتقاطع مع ما تشير إليه تقارير دولية واسعة. فقد أوضح تقرير منظمة العمل الدولية حول اقتصاد الرعاية أن النساء يقضين أكثر من ثلاثة أضعاف الوقت الذي يقضيه الرجال في أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، وهو ما يعكس حجم المسؤوليات غير المرئية التي تتحملها المرأة بالتوازي مع عملها الرسمي.
https://www.ilo.org/global/publications/books/WCMS_838653/lang–en/index.htm
وفي سياق متصل، تشير بيانات حديثة صادرة عن منظمة العمل الدولية إلى أن مئات الملايين من النساء حول العالم يواجهن صعوبات في الاستمرار أو الدخول إلى سوق العمل بسبب التزامات الرعاية، حيث تُعد هذه المسؤوليات أحد أبرز العوائق الهيكلية أمام المشاركة الاقتصادية.
.https://www.ilo.org/resource/news/unpaid-care-work-prevents-708-million-women-participating-labour-market
كما يؤكد تقرير Care at Work (2022) أن الفجوة لا تكمن فقط في توزيع العمل، بل في غياب سياسات داعمة كافية تمكّن الأفراد – وخاصة النساء – من التوفيق بين العمل والحياة، وهو ما يعزز الحاجة إلى إعادة تصميم بيئات العمل بشكل أكثر مرونة واستجابة للواقع.
. https://doi.org/10.54394/AQOF1491
وتعيد هذه المؤشرات مجتمعة صياغة النقاش؛ فالقضية لا تتعلق بقدرة المرأة على الأداء، بل بمدى توافق بيئة العمل مع واقع الأدوار التي تديرها. فالنماذج التقليدية التي تفترض نمطًا موحدًا للحياة المهنية تتجاهل هذا التعقيد، ما يؤدي إلى استنزاف غير مرئي للجهد، وليس إلى ضعف في الكفاءة.
غير أن التجارب المؤسسية التي تبنّت سياسات مرنة مثل العمل الهجين، وساعات العمل القابلة للتكيّف، والتركيز على النتائج تُظهر أن الإنتاجية لا تتراجع، بل تتحسن؛ لأن الجهد يُعاد توجيهه نحو الإنجاز الفعلي بدل استهلاكه في التوفيق القسري بين متطلبات متعارضة.
ومن الأمثلة التطبيقية على ذلك: شركة “ديل تكنولوجيز” (Dell Technologies) التي طبقت نموذج “العمل من أي مكان” ورفعت احتفاظها بالموظفات بنسبة 32% وفق تقريرها الداخلي لعام 2023. وعلى المستوى العربي، اعتمدت “مجموعة الاتصالات السعودية (STC)” نظام العمل الهجين المرن وساعات العمل القائمة على الإنجاز، ما أسهم في زيادة مشاركة النساء في المناصب القيادية التقنية بنسبة تجاوزت 20% خلال عامين.
استنادًا إلى هذه القراءة، فإن التوازن بين الحياة والعمل بالنسبة للمرأة لا يُفهم بوصفه دعوة لتقليل الأعباء، بل كمدخل لإدارتها بكفاءة أعلى. وعندما تتوفر بيئة عمل تستوعب هذا التوازن، تتحول تعددية الأدوار من عبء إلى مصدر قوة.
وعلى هذا الأساس فإن التوصية الجوهرية تتمثل في تبني سياسات عمل مرنة قائمة على الثقة والنتائج، تستند إلى فهم واقعي لاختلاف السياقات الحياتية، وتمكّن المرأة من تحويل طاقتها إلى إنجاز مستدام. فالتوازن ليس امتيازًا تنظيميًا، بل قرارًا استراتيجيًا يعكس نضج المؤسسة,
