لغة الجسد عند قدماء المصريين، كتاب مفتوح بلا حروف : قراءة في هيئة الجسد ورموزه داخل الفن الجنائزي والمعبدي

الكاتبة/ سحر النحاس

IMG 20260619 WA0013 1

 

 

لم يكتفِ المصري القديم بالكتابة الهيروغليفية وسيلةً للتعبير، بل ابتكر لغةً بصرية أكثر بلاغةً واختصاراً، قوامها جسد الإنسان ووقفته وهيئته. ففي جدران المعابد والمقابر، لم يكن الفنان يرسم أشخاصاً فحسب، وإنما كان يرسم “مقامات” اجتماعية ودينية. وبذلك تحوّلت كل إمالة ظهر وكل وضعية قدم إلى جملةٍ كاملةٍ ذات دلالة

استقامة الجسد + الصولجان + التاج العالي = رموز السلطة والسيطرة. اليمين: انحناء الظهر 90° + المنجل = رموز الخدمة والعمل اليدوي. الفرق يظهر من هيئة الجسد فقط دون الحاجة لأي نص..

IMG 20260619 WA0012

 

فى الرسم التوضيحى يظهر لنا :

1-: الحجم وهو دالٌّ على الأهميةاستند الفن المصرى القديم إلى ما يُعرف بـ “المنظور الهرمي” أو “منظور الأهمية”. فالحجم لم يكن انعكاساً للواقع البصري بل للواقع الاجتماعي.الملك أو الإله: يُرسم ضخماً، يصل رأسه إلى سقف المشهد.الوزير والكاهن: بحجمٍ أصغر من الملك، لكنه أكبر من عامة الناس.الفلاح والجندي: بحجمٍ ضئيل، كأنه جزءٌ من الخلفية

.2. الظهر المستقيم مقابل الظهر المنحني الظهر المستقيم مع تقدم الرجل اليسرى: “وضعية الفعل” للملك والكاتب ورئيس العمال . ودلالتها: المبادرة والسيطرة. حتى في الجلوس كان الكرسي قائم الزاوية ليحافظ على استقامة الجسد.الظهر المنحني بزاوية قائمة: ” أما وضعية الخدمة” الانحناء “للفلاح والخادمةتوضح . : الجهد البدني والخضوع، مع إمالة الرأس لمنع التواصل البصري مع السيد.

.3. ايضا نلاحظ اليدان الفارغتان مقابل اليدين المشغولتين يد تمسك الصولجان أو عصا “الواس” يينما : اليد الآخرى الفارغة لا تعني العجز، بل تعني التفرّغ للأمر والنهي. فعصا “الواس” رمز السيطرة على الاتجاهات الأربعة بعكس الفلاح او العامل .اليدان معاً تمسكان المنجل أو السلة: انشغال اليدين بالعمل يعني انعدام الفراغ للسلطة. فهذه يد العامل الذي يكرّس وقته للإنتاج.

.وكذك تظهر لغة الجسد فى : الرأس المرفوعة مقابل الرأس المنكسةالرأس المرفوعة والعين المرسومة كاملةً: خُصّ بها الملك والآلهة. وحتى عند رسم الوجه من الجانب “البروفايل”، كانت العين تُرسم مواجهةً للمشاه لتأكيد : الوعي والشمول.الرأس المنكسة إلى الأرض: خُصّ بها عامة الشعب والأسرى. ففي معبد أبي سمبل، يظهر الأسرى راكعين ورؤوسهم تلامس الأرض، دلالة على انكسار الإرادة.

كذلك عبر النحات المصرى القديم عن المكانة الاجتماعية :البُعد عن الأرض دليلُ السموالملك واقفاً على منصة أو جالساً على عرش: قدماه لا تلامسان التراب مباشرة، دلالةً على سموّه وانفصاله عن مشقة الواقع.الفلاح بقدمين ملاصقتين لخط الأرض: هو جزءٌ من الطين والزرع، وهو الواقع المادي نفسه.

جدارية مصرية قديمة ملونة تظهر المنظور الهرمي بوضوح تام. الأعلى: شخصيات ضخمة بظهر مستقيم ورجل شمال متقدمة ورموز سلطة. الأسفل: شخصيات صغيرة في وضعية خدمة وحركة. يظهر الفرق البصري بين “من يأمر” و “من ينفذ” قبل قراءة أي نص هيروغليفي

. الرموز والرسومات التعبيرية المرافقة لرسائل الجسدلم تكن لغة الجسد وحدها كافية، بل دعمها المصري القديم بمنظومة رموز بصرية تثبّت المعنى:عصا “الواس” والصولجان “الحقا”: تؤكدان معنى “الأمر والسيطرة” إذا ظهرت في يد مستقيمة.مفتاح الحياة “العنخ”: تحمله يد مرفوعة مستقيمة لمنح الحياة والشرعية.التاج المزدوج “بشمت”: فوق رأس مستقيم يعني حكم القطرين.خط الأساس “الأرض”: الملك على منصة فوق الخط، والفلاح قدمه على الخط مباشرة.علامة “سج” الهيروغليفية: تُرسم فوق رأس العدو الراكع، فتجعل من وضعية الركوع رسالة: “خاضع ومضروب”

.الخلاصةلقد صاغ المصري القديم مجتمعه في ثلاثة خطوط بصرية لا تحتمل التأويل:

الفوقية يعبر عنها ضخامة الحجم + استقامة الجسد + فراغ اليدين = السلطة.

التحت يعبر عنها بصغر الحجم + انحناء الجسد + انشغال اليدين = الخدمة

.ولذلك، فإن الناظر إلى أي جدارية لا يحتاج إلى قراءة الهيروغليفية أولاً. فالظهر وحده كفيلٌ بأن يخبره من صاحب المقام الرفيع، ومن صاحب العمل الشاق، قبل أن تُنطق الكلمة.

هكذا استطاع الرسام والنحات المصرى القديم باستخدام لغة الجسد والرموز تجسيد حياة المجتمع بكافة طبقاته بشكل هرمى طبقا لمكانته الاجتماعية والدينية والسياسية توثق لاقدم واعظم حضارات العالم القديم .

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *