دكتورة/ نجوى محمد سلام
( الفراشة الحالمة )
كم عجيب أمر الإنسان ! يخشى انكشاف أسرار هاتفه ولا يخشى هتك ستر نواياه وما يخبئ صدره من خبايا وأسرار .
أرهق روحي أن أعيش طيلة سنوات عمري مختبئاً منه خلف أقنعة زيف نوايا قلبي ، بينما يأتيني حاملاً بيده حفنة تراب تنساب منها قطرات ماء تنهمر بقوة على صدري ، فتتشكل طلاسم تقض مضجعي كل ليلة وتحرمني لذة الكرى .
يحدق في وجهي وينزع صندوقي الأسود صارخاً: إن أخطر ما يمكن أن يواجهه الإنسان منا ليس انكشاف أخطائه أمام الناس ..بل انكشاف دوافعه أمام نفسه .
أولي وجهي عنه قبل المشرق والمغرب ، لكنه عنيد مثلي يهاجمني بسيل أسئلة عصية الإجابات .
اعتدت منذ مرضي الأخير أن أقرأ يومياً كتاب الله ، تستوقفني بعض الآيات ، أربت بها على قلبي ، لكن هذه المرة لم تكن مجرد آية تتلى ، بل فكرة طرقت أبواب روحي بعنف لم أعهده من قبل ، لم تقف عند عتبات ماذا فعلت ؟ بل امتد شريانها حتى وصل لمحطة لماذا فعلت ؟
آه كم مرهق أن يستشعر الإنسان منا أن داخله غرفتين : غرفة مرتبة ، مفروشة بالكلمات الجميلة يدخلها الناس ، وغرفة خلفية تكتظ بالفوضى ، تهاجمك بلكمات النوايا الملتبسة ، ورغبات خجولة في الظهور ، في الثناء ، تشوهها مساحيق الإدعاء .
من خلف الكواليس يأتيني مرة أخرى ، يتسلل كلص خفي ، يعاتبني قائلاً: أصعب ما تمر به ليس فيما تفعله بل فيما يدور داخلك وتفعله ، المعلن قد يخدع العيون أما المخفي فهو الذي يكتب الاسم الحقيقي للإنسان ، وأنت دائماً تحمل داخل صدرك صندوق كم أخشى ما بداخله .
أخوض معركة ضارية معه كلما وضعت رأسي على وسادتي ، معركة تدور رحاها بين المعلن والمخفي ، أخشى أن أحمل معي نية مثقوبة وأن أكتب في دفاتري مرائي يوم تبلى السرائر ولا يبقى معي إلا عملي ، أود الذهاب إليه بقلب سليم .
يعاودني بعد انكشفت بعض ملامحه قائلاً: أحمق من يخشى انكشاف صورته أمام الناس ، ولا يخشى انكشاف حقيقته أمام نفسه .
أمد يدي لأعبث بأوراق صندوق صدري ، تتطاير أوراق كبيرة وكثيرة لكن ورقة واحدة صغيرة جداً وخجولة تكاد تختبئ من أخواتها ، تهاجمني كلما وقفت أمام مرآة ذاتي ، أقرأها بتلعثم : لأجل الله .
وحدها تعيد بناء ما تصدع من صندوقي وتمزق أوراقه الكبيرة والكثيرة المنثورة هنا وهناك والتي تحمل نوايا قديمة خجلت منها : ليقال عني كريم ، لأكسب قربهم ، لأحظى بمعرفتهم ، لأكون أفضلهم .
أستعيذ من نفسي وهواها ، وأطفئ لهيب جمرها بالوضوء ، أقف على أعتابه وقد بللتني أمطاري معترفاً بقبح النوايا ووزرها ، اغترف من وهج وصله ما يعيد طهري ويضبط ميزان النوايا والخبايا لأحفظ ماء وجهي يوم تبلى السرائر .


