" خبيني" مقهى وحكايات
بقلم الكاتبة/ يسرية الغندور
المقاهي ما يُباع فيه الشاي والقهوة، ومنها ما تُصبّ فيه الذكريات وأسرار التاريخ.
في قلب ميدان المنشية، وتحديداً داخل حارة «الفرام» الضيقة المغطاة برائحة البُن وسحر الإسكندرية القديمة، يقف مقهى «خبيني» فشاهداً حياً على عبق الزمان وصخب البشر. لم يكن هذا المكان مجرد مقهى عادي لتناول المشروبات، بل كان ملاذاً دافئاً صيغت على طاولاته الحجرية حكايات ومفارقات لا تُنسى.
تأسست القهوة في ثلاثينيات القرن الماضي على يد صاحبها الإيطالي الذي أطلق عليها اسم «سيكوريل»، تيمناً بالإتاوة والجمال السكندري الكوزموبوليتاني في ذلك العصر. لكن الوجدان الشعبي لسكندريي المنشية والبحارة لم يُبقِ على هذا الاسم الغربي طويلاً.
تذكر الروايات أن سر تسمية «خبيني» يعود إلى أربعينيات القرن الماضي، إبان الغارات الجوية العنيفة التي كانت تضرب الإسكندرية أثناء الحرب العالمية الثانية. كان الممر الضيق الذي تقع فيه القهوة بمثابة ملجأ وآمنٍ للناس؛ فمع انطلاق صفارات الإنذار وهروب المارة من الشوارع الرئيسية، كان الناس يصرخون وهم يركضون نحو هذا المقعد المتداري: “خبيني هنا!”. ومنذ ذلك الحين، اندثر الاسم الإيطالي، وأصبح مقهى «خبيني» ملجأً للجميع.
لم يقتصر دفق الحياة في «خبيني» على الفارين من القنابل، بل أصبح المقصد المفضل للمبدعين، والفنانين، وبحارة السفن، والتجار، وحتى الهاربين من حرارة الصيف وركض الحياة اليومية. جلس على كراسيه الخشبية القديمة أدباء وشعراء وجدوا في ضجيجه المنتظم إلهاماً يغذي كتاباتهم.
اليوم، حين تجلس على أحد كراسيه في المساء، وتطلب كوباً من الشاي الكشري أو فنجاناً من البُن المظبوط، تدرك أن المكان لا يزال يحتفظ بـ “سر التخفي”؛ فهو يحميك من صخب القرن الحادي والعشرين، ويردك إلى زمن الفن والجمال والهواء السكندري المعتق.
